ابن حمدون

310

التذكرة الحمدونية

« 752 » - وكان عروة بن الزبير صبورا حين ابتلي . خرج إلى الوليد بن عبد الملك فوطىء عظما فلم يبلغ دمشق حتى ذهب به كلّ مذهب . فجمع الوليد الأطباء فأجمع رأيهم على قطعها ، فقالوا له : اشرب مرقّدا ، فقال : ما أحبّ أن أغفل عن ذكر اللَّه تعالى . فأحمي له منشار ، وكان قطعا وحسما ، فما توجّع وقال : ضعوها [ 1 ] بين يديّ ، لئن كنت ابتليت في عضو لقد عوفيت في أعضاء . فبينا هو على ذلك أتاه نعي ابنه محمد ، وكان قد اطَّلع من سطح على دوابّ الوليد فسقط بينها فخبطته ، فقال عروة : الحمد للَّه لئن أخذت واحدا لقد أبقيت جماعة . ولما عاد من سفره أتاه المعزّون وفيهم عيسى بن طلحة فقال : يا أبا عبد اللَّه ما كنّا نعدّك للسباق ، وما فقدنا منك إلَّا أيسر ما فيك ، إذ أبقى اللَّه لنا سمعك وبصرك وعقلك . « 753 » - وقدم على الوليد وفد من عبس فيهم شيخ ضرير ، فسأله عن حاله وذهاب عينيه فقال : بتّ ليلة في بطن واد ولا أعلم عبسيّا يزيد ماله على مالي ، فطرقنا سيل فذهب بما كان لي من أهل ومال وولد غير صبيّ صغير وبعير ، وكان صعبا ، فندّ فوضعت الصبيّ عن منكبيّ وتبعت البعير ، فلم أجاوز حتى سمعت صيحة الصبيّ ، فرجعت إليه ورأس الذئب في بطنه يأكله ، فاستدرت بالبعير لأحبسه فنفحني برجله فحطَّم وجهي فذهبت عيناي ، فأصبحت لا عين ولا أهل ولا مال ولا ولد . فقال الوليد : اذهبوا به إلى عروة ليعلم أنّ في الدنيا من هو أعظم مصيبة منه ، ويتسلى .

--> « 752 » في أخبار عروة وما ابتلي به انظر : التعازي والمراثي : 54 والأغاني 17 : 16 ومحاضرات الراغب 4 : 512 - 513 وبهجة المجالس 2 : 356 ونثر الدر 3 : 185 . « 753 » التعازي والمراثي : 54 - 55 وتعازي المدائني : 45 وعيون الأخبار 3 : 64 والأغاني 17 : 169 وابن خلكان 2 : 419 .